ليانة بدر تاريخ نشر المقال 08 أيلول 2010
عزيزتي آمنة
وأنا أسالك بدوري: ومن يذكر تل الزعتر أصلاً لولا بعض المقالات المتفرقة التي تظهر أحياناً وبين عام وعام، كي تذكر من لا يتذكرون بوجود الاسم بعد أن تغير معناه، فإما أنه قد تم تنحيته وإغفاله، أو صارت له فحوى سياسية واقتصادية من نوع آخر.
وأترك لذكائك أن يستنتج ما أعني! وببساطة يمكننا أن نعد على أصابع اليد من يمكن لهم استذكار معنى البطولة والفداء في تل الزعتر عام 1976.
أنا مثلاً لم يتح لي أن أعرف ما جرى وأن أنقله في رواية "عين المرآة" إلا بسبب عيشي في لبنان، ومصاحبة أهل المخيم، والعمل معهم سبع سنوات فيما بعد لتسجيل لحظاتهم التاريخية في روايتي تلك.
يعني! قد أكون قمت بمسؤوليتي الفردية في رسم التاريخ الشخصي والعام، لما يعتبر أكثر من ذاكرة أو حياة بالنسبة لنا، وأكثر من مجرد وصف وجداني لصفحات المقاومة الفلسطينية في لبنان، ولكن أين هم الآخرون؟ لم يكن هذا فقط بسبب محبتي الخاصة وإعجابي بأهل تل الزعتر وحدهم، بقدر ما كان دفاعاً عن إبادة المخيمات الفلسطينية في أمكنة متعددة أخرى لم تبدأ ولم تنته بتل الزعتر ومذابح صبرا وشاتيلا وحدها فقط. فكرت حينها في أنه إذا استطاع تولستوي استدراج التاريخ الروسي في مؤلفه المدهش "الحرب والسلام"، والبحث في أرشيفات البشر والناس هنالك أربع سنوات ليخرج علينا بروايته الضخمة، فإنه يمكنني أن اقوم أنا أيضاً بكتابة شيء عن التاريخ الفلسطيني في لبنان.
استغرقني البحث الميداني والعودة إلى المراجع، ومن ثم كتابة الرواية وتصحيحها سبع سنوات.
وساهم في إمدادي بالمعلومات كل من التقيت بهم من أهل المخيم، وزملاء مقاتلون وباحثون في لبنان، وطلاب ونساء وعائلات انتقلت إلى المهجر فيما بعد. ولا أنسى أنك تجليتِ شخصياً في الرواية كمسعفة شجاعة قوية الشكيمة لأن هذا كان هو دورك خلال الاشتباكات أصلاً.
وما زالت قوتك الروحية تثير انفعالي حتى الآن حين لم تتراجعي عن حمل أعداد كبيرة من الجرحى وحمايتهم وإسعافهم بطرق مبتكرة، تدل على تحمل مسؤولية طوعية ذات فحوى أخلاقي عالٍ لم تتأثر بالرعب أو الخوف من القذائف المنهمرة.
وقبلها أثرتِ فيّ القلق والانزعاج نفسه حين أخبرتني أنه لم يتم الاعتراف بك كممرضة عملت في الهلال الأحمر الفلسطيني بجدارة لسنوات وسنوات، وأنه لهذا لم تحصلي على تقاعد أو اعتراف بسنوات الخدمة الطويلة حتى الآن.
مع أنني أعرف أن هنالك البعض الذين كانوا معك، وكان بإمكانهم مساعدتك، لكنهم لم ينتبهوا إلى وجودك أصلاً في البلاد لأنهم منشغلون بالترقي إلى أعلى المناصب، أو في التسجيل لامتلاك الشقق والبيوت. أعرف رجالاً ونساء مثلك عاشوا الوضع نفسه، ولكنهم حذفوا الموضوع من ذاكرتهم تماماً، كما حدث في قصة إميل حبيبي في السداسية "زهر اللوز".
يعني أنه يقدس المؤسسة، لأنها مجال حيوي للارتقاء بوضعه الشخصي المعيشي أو الحصول على المكاسب أو مغانم جديدة. وهنالك من يكرهون المؤسسة التي ساهموا في تثبيتها والدفاع عنها، وقد انقلبوا إلى أعداء صارخين بالويل والثبور وعظائم الأمور لأنهم صاروا فريسة إحباطهم. فماذا نستطيع أن نفعل أنا وأنت وبعضٌ من أهل تل الزعتر غير أن نفتش عن كل من نستطيع الوصول إليه ممن يهتمون بالذكرى كي نحتفل معهم في العام المقبل وحدنا دون انتظار لغيرنا ممن لا يهتمون.
12:43
3asefa
0 comments:
Post a Comment